في مشهد استثنائي جمع المئوية والتجديد معاً، أسدل الكونغرس المئوي الثاني والثلاثون للاتحاد الدولي للصحفيين ستارته في باريس، حيث ولد الاتحاد قبل مئة عام، بعد أربعة أيام من النقاشات المكثفة التي جمعت أكثر من ٣٠٠ مندوب يمثلون نقابات صحفية من أنحاء العالم.

وانتخب الكونغرس في السادس من مايو الصحفية البيروفية زوليانا لاينيز أوتيرو رئيسةً للاتحاد الدولي للصحفيين، لتكون بذلك أول امرأة من أمريكا اللاتينية والكاريبي تتولى قيادة أكبر منظمة صحفية في العالم، والمرأة الثالثة في تاريخ الاتحاد المئوي على الإطلاق. وخلفت لاينيز أوتيرو الرئيسة الفرنسية دومينيك برادالييه التي قادت الاتحاد خلال السنوات الأربع الماضية، بعد أن قضت ١٦ عاماً عضواً في لجنته التنفيذية.

وإلى جانبها، انتُخب ناصر أبو بكر من فلسطين نائباً أول للرئيس، فيما فازت جنيفر مورو من كندا وزياد دبار من تونس بمنصبَي نائبَي الرئيس.

وعلى المستوى العربي، حققت المملكة العربية السعودية إنجازاً تاريخياً بفوز عضوان الأحمري، رئيس جمعية الصحفيين السعوديين، بمقعد في اللجنة التنفيذية للاتحاد للمرة الأولى في تاريخها.

وفي كلمتها الأولى رئيسةً للاتحاد، قالت لاينيز: “نمرّ بمرحلة عسيرة على الصحافة في العالم. شهدنا في السنوات الأخيرة أعداداً غير مسبوقة من الصحفيين القتلى في فلسطين وأوكرانيا ولبنان والسودان وأمريكا اللاتينية. ومستويات الإفلات من العقاب على هذه الجرائم غير مسبوقة أيضاً. بوصفنا منظمة عالمية، من واجبنا ضمان ملاحقة هذه الجرائم أمام المحاكم الدولية.”

رابطة الصحفيين السوريين في قلب الاحتفالية

وشاركت رابطة الصحفيين السوريين في فعاليات الكونغرس المئوي في حضور يُعدّ الأول من نوعه لسوريا الجديدة في مثل هذه المحافل الدولية بعد سقوط النظام السابق.

ووصفت مزن مرشد، رئيسة رابطة الصحفيين السوريين، مشاركة الرابطة في الكونغرس المئوي بأنها “محطة تاريخية مزدوجة المعنى” بالنسبة للصحفيات والصحفيين السوريين.

وقالت مرشد: ” أن تكون سوريا ممثَّلةً في هذا الجمع العالمي لأول مرة بعد التحرر، هو في حد ذاته رسالة واضحة: سوريا عادت إلى الخارطة الصحفية الدولية، وصوت صحفييها لن يُكتم بعد اليوم.”

وأضافت: “نُرحّب بانتخاب زوليانا لاينيز رئيسةً للاتحاد، وهو اختيار يحمل رمزية عميقة، فامرأة قادمة من قارة عرفت نضال الصحافة في مواجهة الديكتاتوريات تتولى قيادة الاتحاد في قرنه الثاني، هذا يُلهمنا نحن في سوريا ويُذكّرنا بأن الصمود مقدمة لا بد منها قبل الانتصار. كما نُثمّن انتخاب ناصر أبو بكر نائباً أول، وهو تعبير بالغ الدلالة عن تضامن المجتمع الصحفي الدولي مع الشعب الفلسطيني في قضيته.

وأضافت مرشد أن المشاركة في الاتحاد الدولي ليست ترفاً تنظيمياً بالنسبة للرابطة، بل هي خط دفاع أول عن صحفيينا؛ الانتماء إلى المنظومة النقابية الدولية يوفر لهم حمايةً وصوتاً ومرجعيةً قانونية وأخلاقية لا تعوض.”

وشكرت رئيسة الرابطة كونغرس الاتحاد باعتماد بالإجماع في مقابل صوت واحد معارض على قرار عاجل لدعم وتمكين حرية الإعلام واستقلالية العمل النقابي في سوريا ودعم تمكين رابطة الصحفيين السوريين من ممارسة نشاطها المهني داخل سوريا بحرية واستقلالية، والاعتراف بالتعددية واستقلالية النقابات باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية على تطور البيئة الإعلامية.

من جهته، أكد عماد الطواشي، نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين، أن مشاركة الرابطة في الكونغرس المئوي لم تكن حضوراً احتفالياً بل كانت انخراطاً عضوياً في نقاشات مصيرية تتعلق بمستقبل المهنة.

وقال الطواشي: “إن تبني الكونغرس لدعم قرار يدعم مأسسة وتنظيم قطاع الاعلام في سوريا يعني الكثير لبلد يعيد بناء صحافته من الصفر، بإمكانات محدودة وطموحات كبيرة وإرادة لا تُكسر. وقد وجدنا آذاناً صاغية من منظمات شقيقة تعرف معنى أن تبدأ من جديد:

وأوضح الطواشي أن رؤية الرابطة للعمل النقابي الدولي تقوم على ثلاثة محاور: “أولاً الانخراط الفعلي لا المراقبة عن بُعد، وثانياً الإسهام في بلورة المعايير الدولية لحماية الصحفيين بدلاً من استيرادها جاهزة، وثالثاً بناء تحالفات مع النقابات الإقليمية والدولية تُشكّل شبكة أمان حقيقية للصحفي السوري الذي يعمل في بيئة لا تزال هشة على الرغم من كل التحسينات.”

صوتان سوريان في الاتحاد الدولي: ثروة لا تكرار

وفي معرض حديثه عن أهمية وجود نقابتين سوريتين منتسبتين للاتحاد الدولي للصحفيين، قال الطواشي: “وجود صوتين سوريين مستقلين في الاتحاد الدولي هو مكسب استراتيجي ينبغي أن يُصان وأن يُفهم على حقيقته. فالتعددية النقابية ليست ترفاً، بل هي ضمانة أساسية من ضمانات الاستقلالية لتقديم رؤية سورية أوسع وأكثر تنوعاً وأقل عرضة للتأثير الواحد والمرجعية الواحدة.” وأضاف: “في المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، يجب أن تكون النقابات الصحفية أداة دفاع عن حرية التعبير لا أداة توافق مع أي جهة كانت، وهذا لا يتحقق إلا بالتعددية والاستقلالية معاً.”

قرار عاجل لدعم وتمكين حرية الإعلام واستقلالية العمل النقابي في سوريا

هذا واعتمد المؤتمر العام لـ الاتحاد الدولي للصحفيين قراراً عاجلاً بشأن أوضاع الصحفيين في سوريا، وذلك بالإجماع مع صوت واحد معارض.

تضمّن القرار مجموعة من البنود العملية التي ركّزت على دعم الصحفيين السوريين وتعزيز استقلالية العمل النقابي، حيث رحب القرار بتمكين رابطة الصحفيين السوريين من ممارسة نشاطها المهني داخل البلاد بحرية واستقلالية، والاعتراف بالتعددية واستقلالية النقابات باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية على تطور البيئة الإعلامية.

كما نصّ القرار على توفير دعم مؤسسي وعملياتي لرابطة الصحفيين السوريين من قبل الاتحاد ونقاباته الأعضاء، يشمل مجالات التدريب، وبناء الهياكل النقابية، وتعزيز الحماية المهنية للصحفيين والصحفيات، إلى جانب تشجيع النقابات الدولية والعربية على تطوير شراكات مباشرة مع الرابطة لدعم الإعلام السوري المستقل.

وقال عضو رابطة الصحفيين السوريين والصحفي الحقوقي المعتصم الكيلاني المكلف بتقديم مسودة القرار إن اعتماد القرار “يمثل مؤشراً مهماً على تنامي الاهتمام الدولي بدعم مسار تطوير البيئة الإعلامية في سوريا، ليس فقط على مستوى الحريات، وإنما أيضاً على مستوى بناء مؤسسات مهنية مستقلة وقادرة على الاستمرار”.

وأضاف الكيلاني أن “أهمية القرار تكمن في ربطه بين حرية الإعلام والعدالة الانتقالية والتنظيم الذاتي للعمل النقابي لاسيما مع إرث رابطة الصحفيين السوريين التي تأسست عام ٢٠١٢، وهي عناصر مترابطة لا يمكن فصلها عن أي عملية إصلاح حقيقية للقطاع الإعلامي”، مشدداً على أن “تعزيز استقلالية النقابات وحماية الصحفيين وضمان عدم الإفلات من العقاب تشكل ركائز أساسية لبناء إعلام مهني ومستدام في سوريا”.

الكونغرس وأجندة القرن القادم

تناول الكونغرس جملة من القضايا الجوهرية التي ستشكّل مستقبل الصحافة العالمية، من بينها سلامة الصحفيين وحرية الصحافة ودور الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي والمساواة بين الجنسين في وسائل الإعلام ومشاركة الشباب في المهنة، فضلاً عن استدامة المؤسسات الإعلامية.

وحدد الكونغرس التوجه الاستراتيجي للاتحاد للفترة من ٢٠٢٦ إلى ٢٠٢٩، ممثلاً ١٨٨ نقابة صحفية منتسبة تتحدث باسم ٦٠٠ ألف عضو في ١٤٦ دولة حول العالم.