اعتمد المؤتمر العام لـ الاتحاد الدولي للصحفيين، المنعقد في باريس، قراراً عاجلاً بشأن أوضاع الصحفيين في سوريا، وذلك بالإجماع مقابل صوت واحد معارض وبالتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس الاتحاد، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الدولي بمستقبل البيئة الإعلامية السورية، ودعم مسار تطويرها على أسس مهنية مستقلة ومستدامة.

ويأتي القرار في مرحلة تشهد فيها سوريا تحولات سياسية وإعلامية متسارعة، ترافقت مع تحسن ملحوظ في مؤشرات حرية الصحافة، أبرزها تقدم سوريا في التصنيف العالمي الصادر عن مراسلون بلا حدود، إلى جانب اتساع النقاشات المرتبطة بإصلاح البيئة التشريعية للإعلام، وتعزيز التنظيم الذاتي للقطاع، وتطوير دور النقابات المهنية المستقلة..

ويُنظر إلى القرار بوصفه مؤشراً على تنامي القناعة داخل الأوساط الصحفية النقابية الدولية بأهمية دعم مسار التعافي الإعلامي في سوريا، ليس فقط من زاوية الحريات العامة، وإنما أيضاً من زاوية بناء مؤسسات مهنية مستقلة وقادرة على الاستمرار، بما يعزز استقرار القطاع الإعلامي ويحول دون تراجع المكتسبات التي تحققت خلال المرحلة الأخيرة.

دعم مهني دولي لمسار المأسسة

وتضمّن القرار مجموعة من البنود العملية التي ركّزت على دعم الصحفيين السوريين وتعزيز استقلالية العمل النقابي، حيث رحب القرار بتمكين رابطة الصحفيين السوريين من ممارسة نشاطها المهني داخل البلاد بحرية واستقلالية، والاعتراف بالتعددية واستقلالية النقابات باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية على تطور البيئة الإعلامية.

كما نصّ القرار على توفير دعم مؤسسي وعملياتي لرابطة الصحفيين السوريين من قبل الاتحاد ونقاباته الأعضاء، يشمل مجالات التدريب، وبناء الهياكل النقابية، وتعزيز الحماية المهنية للصحفيين والصحفيات، إلى جانب تشجيع النقابات الدولية والعربية على تطوير شراكات مباشرة مع الرابطة لدعم الإعلام السوري المستقل.

وشدد القرار على أهمية بناء نموذج نقابي حديث في سوريا يقوم على الاستقلالية، والشفافية، والديمقراطية، وتمثيل الصحفيين دون تمييز، بما ينسجم مع مبادئ التنظيم الذاتي للإعلام والمعايير الدولية للعمل النقابي.

وفي جانب العدالة الانتقالية، أكد قرار المؤتمر أهمية استمرار جهود المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة التي استهدفت الصحفيين السوريين منذ عام 2011، بما يشمل جرائم القتل والاختفاء والتعذيب، مع التشديد على أن ضمان عدم الإفلات من العقاب يمثل جزءاً أساسياً من أي عملية إصلاح حقيقية للقطاع الإعلامي.

القرار يعزز مسار الاستقرار المهني ودعم استقلالية العمل النقابي في سوريا

وقالت رئيسة رابطة الصحفيين السوريين مزن مرشد إن اعتماد القرار بالإجماع “يمثل رسالة دعم دولية مهمة للصحفيين السوريين، ويعكس إدراكاً متزايداً للتحولات التي يشهدها الإعلام السوري خلال المرحلة الحالية”.

وأضافت أن “التحسن الذي شهدته الحريات الإعلامية خلال العامين الماضيين يحتاج اليوم إلى ضمانات مؤسساتية وتشريعية تحافظ عليه وتطوره، بما يسمح ببناء قطاع إعلامي مهني ومستقل وقادر على مواكبة التحولات التي تشهدها سوريا ونرحب بجهود وزارة الاعلام في هذا الإطار والشراكة معها للنهوض بالقطاع الإعلامي.

وأكدت مرشد أن “دعم الاتحاد الدولي والنقابات حول العالم لمسار استقلالية العمل النقابي والتنظيم الذاتي يشكل عاملاً مهماً في ترسيخ بيئة إعلامية أكثر استقراراً ومهنية”، مشيرة إلى أن الرابطة تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الإعلام والمجتمع على أسس جديدة قائمة على المهنية والتعددية والمسؤولية ووضع خبرات الرابطة التي اكتسبتها منذ تأسيسها عام ٢٠١٢ في مرحلة متقدمة من الثورة السورية وتريد استكمال المسيرة وتعزيز الشراكة الوطنية وترحب بالانفتاح الذي تبديه وزارة الإعلام التي ننتظر منها المزيد في هذا المجال.  

المطلوب الانتقال من الانفتاح إلى المأسسة

من جهته، قال نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين عماد الطواشي إن القرار “يعكس وجود اهتمام نقابي دولي متزايد بدعم استقرار البيئة الإعلامية السورية، وتعزيز استقلالية المؤسسات المهنية والنقابية، وهو ما يصبّ في خدمة مسار التعافي الوطني الشامل”.

وأضاف أن “التحدي الرئيسي اليوم لم يعد يقتصر على توسيع هامش الحرية، بل يتمثل في تحويل هذا الهامش إلى منظومة مستقرة ومستدامة قائمة على قوانين واضحة، ومؤسسات مهنية مستقلة، وآليات تنظيم ذاتي قادرة على حماية القطاع الإعلامي وتطويره”.

وأكد الطواشي أن “الرابطة تنظر إلى علاقتها مع الجهات الحكومية المعنية بالقطاع الإعلامي من منطلق الشراكة الوطنية لا المواجهة، إذ إن بناء بيئة إعلامية ناضجة هو هدف مشترك يستدعي تعاوناً حقيقياً بين النقابات المهنية المستقلة والجهات الحكومية المعنية، على قاعدة الاحترام المتبادل وصون استقلالية القطاع”.

وأشار إلى أن “الرابطة مستعدة للانخراط في حوار مهني بنّاء مع وزارة الإعلام حول التشريعات الناظمة للقطاع، وإجراءات الترخيص، وآليات التنظيم الذاتي، بما يضمن تكافؤ الفرص بين وسائل الإعلام ويحمي حق الصحفيين في العمل بحرية واحترافية”.

وختم الطواشي بالقول إن “الدعم النقابي الدولي الذي يجسّده هذا القرار يمثل رافداً مهماً يعزز قدرة الرابطة على الاضطلاع بدورها كشريك مهني في بناء منظومة إعلامية سورية حديثة، تخدم المواطن وتدعم الاستقرار وتعكس التحولات الإيجابية التي تشهدها البلاد”.
الإعلام المستقل عنصر أساسي في الاستقرار

دعم الاستقرار المهني والحقوق النقابية في سوريا

بدوره، أكد السكرتير العام لـ الاتحاد الدولي للصحفيين أنتوني بلانجي أن الاتحاد “يقف إلى جانب الصحفيين السوريين في جهودهم لبناء قطاع إعلامي مستقل ومهني”، مشدداً على أهمية “دعم الاستقرار المهني والحقوق النقابية، وتعزيز بيئة آمنة تتيح للصحفيين أداء عملهم بحرية ومسؤولية”.

وأضاف أن الاتحاد سيواصل العمل مع رابطة الصحفيين السوريين والنقابات الأعضاء لتطوير برامج الدعم والتأهيل والحماية، ومتابعة أوضاع الإعلاميين السوريين خلال المرحلة المقبلة.

وأشار بلانجي إلى أن “وجود مؤسسات إعلامية مستقلة ونقابات مهنية قوية يشكل أحد العناصر الأساسية لاستقرار أي بيئة إعلامية حديثة”، مؤكداً أهمية دعم التجارب المهنية الناشئة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية.

العدالة الانتقالية جزء من إصلاح الإعلام

وكان مشروع القرار قد قدّمه عنها الرابطة عضو رابطة الصحفيين السوريين والصحفي الحقوقي المعتصم الكيلاني، الذي اعتبر أن اعتماد القرار “يتزامن مع مرحلة تشهد تحسناً نسبياً في مؤشرات حرية الإعلام في سوريا، ما يفرض العمل على بناء ضمانات تحمي هذا التقدم وتمنع تراجعه”.

وأكد الكيلاني أن “العدالة الانتقالية ليست ملفاً منفصلاً عن الإعلام، بل جزء أساسي من إعادة بناء الثقة العامة، وترسيخ بيئة إعلامية قائمة على المساءلة وعدم الإفلات من العقاب”.

وأضاف أن “الإعلام السوري يمتلك اليوم فرصة للمساهمة في تعزيز الوعي المجتمعي ودعم الاستقرار، شرط توفير بيئة مهنية وقانونية تحمي استقلاليته وتضمن قدرته على العمل بحرية”.

رسالة تضامن عربية ودولية

وفي السياق ذاته، رحّبت رئيسة جمعية الصحفيين الإماراتية فضيلة النعيمي بالقرار الذي اعتُمد بالإجماع، معتبرةً أنه “يعكس التزام الأسرة الصحفية العربية والدولية بدعم حرية الإعلام وترسيخ استقلالية العمل النقابي المهني في سوريا”.

وأضافت أن القرار “يمثل رسالة تضامن واضحة مع الصحفيين السوريين في سعيهم لبناء بيئة إعلامية حرة ومسؤولة تقوم على المهنية والتعددية واحترام حق الوصول إلى المعلومات”، مؤكدة أهمية تمكين النقابات والروابط المهنية المستقلة لتكون شريكاً أساسياً في حماية الصحفيين ودعم الاستقرار والتنمية وبناء الوعي المجتمعي.

نحو مرحلة جديدة في الإعلام السوري

وكلّف القرار اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للصحفيين بمتابعة أوضاع الإعلاميين في سوريا، والتنسيق مع رابطة الصحفيين السوريين لإعداد تقارير دورية حول التقدم المحرز في حماية الصحفيين وتعزيز استقلالية العمل النقابي.

هذا، وتحظى رابطة الصحفيين السوريين بعضوية كاملة في الاتحاد الدولي للصحفيين منذ 18 كانون الثاني/يناير 2017، إلى جانب اتحاد الصحفيين السوريين، في خطوة عكست الاعتراف الدولي بالتعددية النقابية في تمثيل الصحفيات والصحفيين السوريين.

وتأسست رابطة الصحفيين السوريين عام 2012 في سياق الحراك الذي شهده القطاع الإعلامي السوري مع بدايات الثورة السورية، واستمرت منذ ذلك الحين في العمل على حماية الصحفيين، والدفاع عن حرية الإعلام، وتطوير العمل النقابي والمهني، عبر برامج الرصد والتدريب والمناصرة.

كما تواصل الرابطة، خلال المرحلة الحالية، عملها مع اتحاد الصحفيين ومختلف المؤسسات والهيئات المهنية والإعلامية والتنسيق مع وزارة الإعلام من أجل النهوض بالقطاع الإعلامي في سوريا، وتعزيز استقلاليته، وترسيخ مبادئ التنظيم الذاتي والتعددية النقابية، بما يواكب التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي السوري.

هذا ويؤسس قرار كونغرس الاتحاد الدولي لمرحلة جديدة من الانخراط النقابي المهني الدولي في دعم وتطوير قطاع الإعلام السوري، انطلاقاً من مقاربة تقوم على الشراكة المهنية وتعزيز الاستقرار المؤسسي، بما يربط بين توسيع الحريات الإعلامية ودعم بناء مؤسسات قادرة على حماية هذه المكتسبات وضمان استدامتها على المدى الطويل.