إسطنبول – محمد أمهان – تصوير ياسر كريش

نظّمت رابطة الصحفيين السوريين بالتعاون مع شبكة الصحافة الاستقصائية العربية «أريج» (ARIJ) ورشة تدريبية متخصصة بعنوان «الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي والأكاديمي»، بهدف تعزيز قدرة الصحفيين والباحثين على فهم أدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في أعمالهم اليومية بكفاءة، مع الحفاظ على معايير الدقة والتحقق والمسؤولية المهنية.

وجمعت الورشة، التي أقيمت في إسطنبول في مقر الجالية السورية في تركيا، صحفيين ومراسلين وأكاديميين من العاملين في مؤسسات إعلامية عربية ودولية، وقدّمها أحمد جمجوم، الصحفي والمدرب، ضمن برنامج «AI بالعربي مع أريج».

التكنولوجيا لا تعفي الصحفي من مسؤوليته

وفي افتتاح الورشة، قال نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين عماد الطواشي إن الرابطة لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلاً عن الصحفي أو الباحث، وإنما أداة يمكن أن تعزز قدراتهما إذا أُحسن استخدامها، محذراً من أن تتحول التكنولوجيا إلى مصدر للمخاطر في حال استخدامها من دون معرفة أو ضوابط مهنية وأخلاقية.

وشدد الطواشي على أن «الصحفي سيظل مسؤولاً عن المعلومة التي ينشرها، حتى لو استعان بأداة ذكاء اصطناعي في الوصول إليها أو تحليلها أو صياغتها»، مؤكداً أن السرعة لا يمكن أن تأتي على حساب التحقق، وأن استخدام التكنولوجيا لا يلغي مسؤولية حماية الخصوصية والبيانات.

وأشار إلى خصوصية البيئة الإعلامية السورية، حيث ترتبط المعلومات في كثير من الحالات بحياة الناس وحقوقهم وسلامتهم وذاكرتهم، معتبراً أن الدقة والمسؤولية المهنية تمثلان جزءاً أساسياً من مسؤولية الصحفي تجاه المجتمع.

من فهم الذكاء الاصطناعي إلى الاستخدام العملي

بدأ المدرب أحمد جمجوم الورشة بشرح طبيعة أدوات الذكاء الاصطناعي وحدودها، قبل الانتقال إلى كيفية توظيفها في العمل الصحفي والأكاديمي، مؤكداً أن الاستفادة منها لا تقوم على الحصول على إجابات جاهزة، وإنما على معرفة كيفية توجيه الأداة وتحديد المهمة المطلوبة منها وتزويدها بالسياق المناسب.

وركز التدريب على صياغة الأوامر أو Prompts، باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية للحصول على نتائج أكثر دقة وملاءمة. وتدرب المشاركون على الانتقال من الأسئلة العامة إلى تعليمات أكثر وضوحاً تحدد للأداة الدور المطلوب، والسياق، ونوع المخرجات والجمهور المستهدف والقيود التي ينبغي مراعاتها.

وأوضح جمجوم أن جودة المخرجات لا ترتبط بالأداة وحدها، وإنما تتأثر أيضاً بطريقة صياغة السؤال، وكمية السياق المقدم للنموذج، وقدرة المستخدم على مراجعة النتائج وتطويرها.

تطبيقات داخل غرفة الأخبار والبحث الأكاديمي

وتناول التدريب مجموعة من الاستخدامات العملية التي يمكن أن تساعد الصحفيين في إنجاز مهامهم اليومية، من بينها البحث الأولي، وتلخيص الوثائق الطويلة، واستخراج المعلومات من النصوص، وتنظيم البيانات، وإعادة هيكلة المعلومات، وإعداد الأسئلة للمقابلات، وتحضير ملفات الضيوف، وتدقيق النصوص لغوياً، والترجمة وتحليل المواد والمعلومات، مع إبقاء عمليات التحقق والحكم التحريري والتحليل النهائي بيد الصحفي.

ولم تقتصر التطبيقات على المجال الإعلامي، إذ تناولت الورشة استخدامات الذكاء الاصطناعي في البحث الأكاديمي وتنظيم الأدبيات وتلخيص الدراسات والوثائق والمقارنة بين النصوص والمساعدة في الترجمة وتحسين الصياغة، مع التأكيد على ضرورة التحقق من المراجع وعدم التعامل مع مخرجات الأدوات باعتبارها مصادر علمية بحد ذاتها.

البوصلة الأخلاقية

خصص المدرب جانباً أساسياً من الورشة لما وصفه بـ«البوصلة الأخلاقية»، وناقش مع المشاركين مخاطر المعلومات غير الدقيقة أو المختلقة، والتحيز في المخرجات، والاعتماد المفرط على الإجابات الآلية، وانتهاك الخصوصية، وإدخال البيانات الحساسة في أدوات الذكاء الاصطناعي.

كما شدد التدريب على أهمية التحقق من المعلومات قبل استخدامها أو نشرها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأرقام وأسماء الأشخاص والوقائع الحساسة، مؤكداً أن قدرة الأداة على إنتاج النصوص أو معالجة كميات كبيرة من المعلومات لا تعني امتلاكها القدرة على إصدار الحكم الصحفي أو الأخلاقي.

وبهذا المعنى، خلصت الورشة إلى قاعدة أساسية في الاستخدام المهني للذكاء الاصطناعي: الأداة تساعد الصحفي، لكنها لا تتحمل مسؤوليته المهنية نيابة عنه.

تجارب المشاركين: من غرفة الأخبار إلى البحث الأكاديمي

أتاحت الورشة للمشاركين عرض تجاربهم العملية في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بما كشف عن تنوع متزايد في طرق توظيفها داخل العمل الإعلامي والأكاديمي والمجتمعي.

وقال زيدان زنكلو، مراسل قناة العربية في تركيا، إنه استعان بالذكاء الاصطناعي خلال مهمة صحفية في نيبال لتغطية الفيضانات، واستخدمه للمساعدة في متابعة التحديثات والإحصاءات والمصادر المحلية، بما فيها مصادر بلغات لم يكن يتقنها، مع مقارنة المعلومات بمصادر أخرى قبل استخدامها.

أما ربيع صعوب، مراسل تلفزيون المشهد في تركيا، فتناول تجربة استخدام الذكاء الاصطناعي في تنظيم الملفات وبعض مهام المونتاج، مشيراً إلى أن جودة النتائج تتأثر بدرجة كبيرة بطريقة صياغة الأوامر المقدمة إلى الأداة.

وقال عبد القادر درباس، مراسل قناة فرنسا 24 في تركيا، إن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً من عمله اليومي، خصوصاً في متابعة الصحافة التركية وتلخيصها، والترجمة، والعودة إلى الأرشيف لفهم خلفيات الأحداث السياسية والانتخابية.

بدوره، أكد حمزة عبيدات، رئيس التحرير في قسم الاقتصاد بقناة TRT عربي، أن التحول الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على العمل الصحفي لا يتعلق فقط بظهور أدوات جديدة، وإنما بإعادة التفكير في طريقة البحث والإنتاج والتحقق وإدارة الوقت والمعلومات داخل غرفة الأخبار، مشيراً إلى أن الاستفادة من هذه الأدوات تتطلب تطوير مهارات جديدة لدى الصحفيين تشمل صياغة الأوامر، وتقييم المخرجات، والتحقق من المعلومات، وفهم حدود النماذج، وحماية البيانات، واتخاذ القرار المهني والأخلاقي.

من جانبها، قالت بانة المنلا، مراسلة صحيفة الثورة السورية، إن الذكاء الاصطناعي سهّل عمليات البحث وتدقيق المعلومات ورصد الأخبار المضللة بسرعة، وهو ما يختصر ساعات من العمل، مع ضرورة أن تمر النتائج بعملية تدقيق صحفي قبل تقديمها للجمهور.

وقال المهندس صفوان خباز، نائب رئيس الجالية السورية في تركيا، إن الجالية تستفيد من الذكاء الاصطناعي في تدقيق المحاضرات والترجمة وإعداد البرامج السياسية والاقتصادية والتصاميم، مشيراً إلى أن استخدام هذه الأدوات بات يتوسع في مختلف مجالات العمل، ما يجعل فهمها وتوظيفها حاجة عملية لا تقتصر على الإعلاميين.

وقال سمير السلامة، عضو المكتب التنفيذي في رابطة الصحفيين السوريين، إن الرابطة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة يمكن أن تساعدها في تسريع تطوير المشاريع والبرامج التدريبية للصحفيين السوريين، وتحسين إدارة المعلومات والبيانات، وتوسيع قدراتها في توثيق الانتهاكات بحق الصحفيين.

وأضاف أن توظيف هذه الأدوات يمكن أن يختصر الوقت والجهد في مراحل إعداد المشاريع وتحليل البيانات وبناء المواد التدريبية، إلى جانب دعم عمليات الرصد والتوثيق، مؤكدًا أن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يجب أن يرافقه تحقق بشري صارم وحماية للبيانات الحساسة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمعلومات تمس سلامة الصحفيين وحقوقهم.

وتحدثت حنان المسوتي، الباحثة في العلوم السياسية، عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وحلقات البحث، مشيرة إلى أنه ساعدها في الوصول إلى البيانات ومقارنة المعلومات والترجمة بين العربية والإنجليزية والتركية، بما زاد من القيمة العلمية لأبحاثها.

وأوضح الدكتور حمد بن خالد، المستشار الإعلامي، أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من استخداماته اليومية في المهام الإدارية ومتابعة الأخبار وتحليل الأسواق وإنتاج المحتوى، مستعرضاً تجربة استخدم فيها ChatGPT وروبوتاً تفاعلياً لإنتاج محتوى عن الأطفال ووسائل التواصل، مؤكداً أن حداثة الأدوات تفتح أشكالاً جديدة للمحتوى، لكن مخرجاتها تحتاج دائماً إلى تحقق بشري قبل اعتمادها أو نشرها.

هذا وتأتي الورشة ضمن جهود رابطة الصحفيين السوريين في مواكبة التحولات التقنية التي يشهدها قطاع الإعلام، وتعزيز مهارات الصحفيين في استخدام الأدوات الحديثة، مع الحفاظ على استقلالية القرار الصحفي ومعايير المهنة وأخلاقياتها.