عقدت رابطة الصحفيين السوريين في مدينة الرقة، منتدى حوارياً موسعاً تحت عنوان “الإعلام وحرية التعبير: الذاكرة والتحديات واستحقاقات المستقبل”. جمع أكثر من واحد وخمسين من الصحفيين والصحفيات والمواطنين الصحفيين والناشطين الحقوقيين وناشطي المجتمع المدني.
وفي كلمة مسجلة للمنتدى، قالت مزن مرشد رئيسة رابطة الصحفيين السوريين إن أي حديث عن “سوريا الجديدة” يبقى فاقداً للأهمية ما لم يؤسَس على بيئة إعلامية مستقلة. ودعت مرشد لتحقيق ذلك إقرار حماية قانونية وجسدية للصحفيين والصحفيات، وتكريس حقهم في الحصول على المعلومات بعيداً عن أي تضييق.
بدوره، أكد نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين عماد الطواشي إنه يجب تطوير الإعلام المحلي ليكون معبراً عن صوت المجتمعات المحلية لاسيما في محافظة مثل الرقة عانت ما عنته وتريد التعافي سريعا. وشدد عماد الطواشي على أن انعقاد المنتدى في الرقة يمثل اعترافاً صريحاً بوزن تجربتها المدنية والإعلامية المتراكمة، معتبراً أن المدينة تمتلك من النضج المهني ما يفرضها كشريك أساسي، لا كمجرد متلقٍ، في هندسة ورسم ملامح السياسات الإعلامية السورية القادمة. مؤكداً سعي رابطة الصحفيين السوريين إلى إقامة برامج تأهيل وتدريب خاصة بالمنطقة الشرقية ومنتديات حوارية للنهوض بالعمل الإعلامي، لافتاً إلى ضرورة تعديل قانون الإعلام وقانون الجرائم الإلكترونية اللذين يحدان من حريات وتطور البيئة الإعلامية رغم الانفتاح الأخير الذي شهدته سوريا بعد التحرير.

تفكيك التحديات وكسر العزلة
وشهدت جلسات المنتدى تفكيكاً للتحديات حيث اعتمد مدير المنتدى الصحفي المستقل عمار حميدي على مقاربة مهنية ابتعدت عن إغراق النقاش في دائرة “المظلومية وتوصيف الانتهاكات”، ودافعاً بالمشاركين نحو تفكيك البنية التشغيلية والتشريعية الهشة مع استمرار العمل بقانون الإعلام وقانون الجرائم الإلكترونية.
وركزت رقية العبد الله ميسرة الجلسات النقاشات على معضلة “العزلة المهنية”، مؤكدة بوضوح أن المؤسسات الإعلامية المحلية ستُسحق إن بقيت بلا حواضن. واعتبرت العبد الله أن التشبيك العضوي وتأسيس شراكة صلبة بين المؤسسات الإعلامية والمنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني ليس ترفاً، بل هو الدرع الاستراتيجي الوحيد لحماية الصحفيين والصحفيات، والأداة الفاعلة لتوسيع دور الإعلام المحلي كسلطة رقابية قادرة على المحاسبة.

هذا وناقش المشاركون محورين رئيسيين؛ تناول الأول واقع حرية التعبير والإعلام في سوريا الجديدة، مع التأكيد على أهمية توثيق الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون خلال سنوات الثورة السورية باعتبارها جزءاً من حفظ الذاكرة الوطنية ومسارات العدالة الانتقالية.
أما المحور الثاني فركّز على واقع الإعلام في المرحلة الراهنة، حيث أشار المشاركون إلى وجود مؤشرات إيجابية تتمثل في اتساع مساحة التعبير وتراجع بعض أشكال الرقابة التقليدية، مقابل استمرار تحديات تتعلق بصعوبة الوصول إلى المعلومات، وانتشار المعلومات المضللة، وضعف الضمانات القانونية للعاملين في القطاع الإعلامي. كما شهد المنتدى نقاشات موسعة حول دور الإعلام المحلي في نقل قضايا المجتمع، والحاجة إلى تطوير الكفاءات المهنية وتعزيز حضور المرأة في المؤسسات الإعلامية، إضافة إلى أهمية بناء شراكات أوسع بين الإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني.

وعبّر عدد من المشاركين عن أهمية المنتدى بوصفه مساحة للحوار وتبادل الخبرات بين فئات مهنية ومجتمعية متعددة، وتمحورت المداخلات حول تحويل الأفكار إلى مطالب إجرائية:
طالبت مريم عبد النعمة وأحمد الواجد بتوجيه دعم مؤسسي مستدام ينتشل المنصات الناشئة في المنطقة الشرقية من هشاشتها، مع التركيز على التأهيل التقني والمهني المكثف للكوادر الشابة لضمان قدرتها على المنافسة، وتعزيز حضور المرأة داخل غرف الأخبار وصناعة القرار الإعلامي، وكسر احتكار النخبة للنقاش العام.
ووصف الشاعر والكاتب والموسيقي أحمد الحسين الشمطي المنتدى بأنه تجربة ثرية أتاحت مساحة حقيقية لتبادل الآراء بحرية ومسؤولية، مؤكداً أن تنوع المشاركين أسهم في إثراء النقاشات والخروج بتوصيات مهمة لتطوير العمل الإعلامي.
أما الكاتبة ابتسام الإبراهيم فاعتبرت أن المنتدى تميز بتركيزه على تشخيص التحديات وطرح الحلول في الوقت نفسه، مشيرة إلى وجود رغبة حقيقية بالمشاركة في بناء مستقبل أفضل للإعلام السوري من خلال الحضور الشبابي الذي طبع الجلسات.
من جهتها، أكدت المشاركة أسماء حمزة السطم أن المنتدى أتاح للمشاركين التعبير عن وجهات نظرهم بحرية وشفافية في نقاشات اتسمت باحترام الآراء المختلفة.
ورأت المشاركة آلاء الشيخ محمد أن المنتدى نجح في تحويل التحديات المطروحة إلى خطوات عملية وتوصيات قابلة للتنفيذ، مؤكدة أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات لتعزيز الحوار بين الإعلاميين والفاعلين في المجتمع المحلي.
كما أشارت المشاركة تسنيم الشيخ محمد إلى أن المنتدى وفّر فرصة مهمة للصحفيين والصحفيات للمشاركة في النقاش حول التحديات التي تواجه قطاع الإعلام.

استحقاقات المرحلة: وثيقة المطالب والمخرجات
تُرجمت نقاشات المنتدى إلى وثيقة مخرجات ومطالب حاسمة، وُجهت في مسارين رئيسيين لتغيير هيكلية القطاع، بما يسهم في دعم الإعلام المهني المستقل، وتعزيز بيئة تحترم حرية الرأي والتعبير في الرقة وسوريا عموماً، وتطوير دور الإعلام كشريك فاعل في بناء المجتمع ودعم مسارات الاستقرار والتنمية. وجاءت أبرز التوصيات كالتالي:
تعديل قانون الجرائم الإلكترونية وقانون الإعلام بما يضمن رفع القيود عن الحريات الصحفية.
رفد المؤسسات الإعلامية بالإعلاميين والناشطين ذوي الخبرة وفق مسابقات عادلة تفسح المجال لتساوي الفرص
تأمين الحصانة والحماية القانونية والجسدية للعاملين في المجال الإعلامي (القطاعين الحكومي والمستقل).
تعزيز دور الصحفيات في الهياكل الإدارية للقطاع الإعلامي وتوسيع تمثيلهن.
على مستوى تطوير القطاع الإعلامي:
إلغاء كافة أشكال الوصاية الإعلامية المفروضة على الرقة من خارج المحافظة لضمان استقلالية قرارها التحريري.
مأسسة البنية التحتية للإعلام المحلي عبر تأسيس صحيفة وإذاعة وقناة تلفزيونية محلية تُعنى بتغطية أخبار الرقة والمنطقة الشرقية.
إنشاء أكاديمية متخصصة لتدريب وتأهيل الكوادر الإعلامية في المنطقة الشرقية.
تنظيم منتديات توعوية للتنسيق بين المجتمع المدني وقطاع الإعلام والوسائل الإعلامية وتفعيل مسار العدالة الانتقالية.
وأكد المشاركون في ختام المنتدى أهمية تعزيز حرية التعبير ودعم الإعلام المستقل والمهني، بما يواكب التحولات التي تشهدها سوريا ويسهم في بناء مجتمع أكثر انفتاحاً ومشاركة.


