سوريا: بين تحديات الانفتاح ومأسسة قطاع الإعلام وضمانات الاستدامة

أصدرت رابطة الصحفيين السوريين تقريرها الخاص المعنون بـ: “سوريا: بين تحديات الانفتاح ومأسسة قطاع الإعلام وضمانات الاستدامة”، رصدت فيه واقع الحريات الإعلامية في سوريا خلال عامَي 2025 و2026.


ويصدر التقرير في يومٍ يحتفل فيه العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، وتزامناً مع انعقاد الكونغرس المئوي للاتحاد الدولي للصحفيين في باريس، الذي يجمع مئات المندوبين من أنحاء العالم للبحث في مستقبل الصحافة وحرية الصحافة، في الفترة الممتدة من 4 إلى 7 مايو،
ويكتسب هذا الكونغرس أهمية استثنائية هذا العام، إذ يُصادف مئويةَ تأسيس الاتحاد الدولي للصحفيين الذي أُسِّس عام 1926 في باريس ذاتها، ليعود إلى مهده في لحظة يشهد فيها العالم تحديات غير مسبوقة تطال حرية الصحافة والصحفيين في مناطق النزاع والدول الانتقالية، ومنها سوريا.


انفتاح حذر في مرحلة انتقالية
ويؤكد التقرير الصادر عن رابطة الصحفيين السوريين بأن سوريا تعيش مرحلة انتقالية دقيقة على صعيد الحريات الإعلامية، تتسم بتحولات إيجابية ملموسة مقارنةً بحقبة النظام البائد، التي اتسمت بسيطرة أمنية مشددة وقيود صارمة طالت العمل الإعلامي وحرية التعبير.
ويرصد مؤشرات متعددة تشمل الاستبيانات والرصد الميداني والتقارير الدورية والمنتديات الحوارية، حيث وثّقت الرابطة تحسناً في هامش الحرية الإعلامية، وتراجعاً في الانتهاكات الجسيمة ضد الصحفيين، وانفتاحاً أكبر في التعامل مع المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية.
غير أن التقرير يُحذّر في الوقت ذاته من أن هذا الانفتاح “لا يزال في طور التبلور”، ويحتاج إلى ترسيخ مؤسساتي وتشريعي حقيقي يضمن استدامته.

تحسن أمني وتراجع في الانتهاكات
على صعيد البيئة الأمنية، يُسجّل التقرير انخفاضاً لافتاً في الانتهاكات الجسيمة بحق الإعلاميين، كالقتل والاعتقال التعسفي والاستهداف المباشر، مشيراً إلى تراجع ملحوظ في تدخل الأجهزة الأمنية المباشر بالعمل الإعلامي.
ويعكس هذا التحسن، بحسب التقرير، وجود إرادة سياسية لدعم بيئة أكثر أماناً للصحفيين، وهو ما أسهم في تشجيع الإعلاميين على العمل الميداني برحابة أكبر ورفع مستوى التغطية المهنية.


إشكاليات تشريعية وترخيص معقّد
على الصعيد التشريعي، يُشير التقرير إلى خطوات إيجابية نحو تطوير الإطار الناظم للعمل الإعلامي، إلا أنه يُنبّه إلى أن كثيراً من الإجراءات لا تزال تصدر في شكل قرارات إدارية وتعليمات تنفيذية، دون أن تتحول إلى قوانين متكاملة مستندة إلى المعايير الدولية.
وفيما يخص ترخيص المؤسسات الإعلامية، يُقرّ التقرير بالجهود التي تبذلها وزارة الإعلام لتنظيم هذا القطاع، لكنه يصف مسار الترخيص بأنه لا يزال “معقداً من الناحية الإجرائية ويفتقر إلى الشفافية الكافية في بعض الحالات”، منبهاً إلى حالات مُنعت فيها مؤسسات إعلامية من تغطية فعاليات ومؤتمرات لأسباب تتعلق بالتراخيص أو الخط التحريري.


في هذا السياق، أكدت مزن مرشد، رئيسة رابطة الصحفيين السوريين، أن إصدار هذا التقرير في اليوم العالمي لحرية الصحافة ليس مجرد توقيت رمزي، بل هو رسالة واضحة إلى كل الأطراف المعنية.


وقالت مرشد: “نُقرّ بما تحقق، ونُثمّن كل خطوة نحو الانفتاح، لكننا في الوقت ذاته نُذكّر بأن الحرية التي لا تُصان بقوانين واضحة ومؤسسات مستقلة تظل هشّة ومعرّضة للتراجع في أي لحظة. سوريا أمام فرصة تاريخية لبناء إعلام حر ومهني حقيقي، ولا يجوز تضييع هذه الفرصة.”


وأضافت: “يأتي تقريرنا هذا في لحظة استثنائية مزدوجة الدلالة؛ فنحن نحتفل باليوم العالمي لحرية الصحافة، ونتابع بفخر واهتمام انعقاد الكونغرس المئوي للاتحاد الدولي للصحفيين في باريس، المدينة التي شهدت ميلاد هذا الاتحاد قبل مئة عام. إن مئوية الاتحاد تُذكّرنا بأن النضال من أجل حرية الصحافة هو مسيرة طويلة لا تنتهي، وأن ما بنيناه في سوريا خلال العامين الماضيين هو بداية هذه المسيرة، لا نهايتها.”


من جهته، شدّد عماد الطواشي، نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين، على أن التقرير يعكس مسؤولية الرابطة في توثيق الواقع بأمانة، وتقديم رؤية وتوصيات للنهوض وتنظيم قطاع الاعلام في سوريا.


وقال الطواشي: “إن التقرير يقدم صورة حقيقية عن واقع الإعلام في سوريا اليوم. حيث أن التحسن قائم وموثّق، لكن الطريق إلى إعلام مستقل ومستدام لا يزال طويلاً ويتطلب إرادة سياسية حقيقية وإصلاحاً تشريعياً جاداً.”


وأضاف أن رابطة الصحفيين السوريين ترحّب بالتقدّم الذي أحرزته سوريا على مؤشر حرية الصحافة الصادر عن مراسلون بلا حدود، وتعدّه مؤشراً إيجابياً يعكس التحوّلات التي شهدها عام 2025، والذي يمكن اعتباره عاماً للحريات الإعلامية، حيث توسّعت فيه مساحات العمل الصحفي وتراجعت القيود المباشرة مقارنةً بالسنوات السابقة، بما أتاح هامشاً أوسع للتعبير والعمل المهني.


وأوضح الطواشي أن أبرز ما يُقلق الرابطة هو “الفجوة بين الانفتاح الفعلي الملحوظ ميدانياً وبين غياب الضمانات القانونية التي تُكرّس هذا الانفتاح وتمنع التراجع عنه”، مشيراً إلى أن استقلالية وتعددية النقابات الصحفية تُمثّل في هذه المرحلة اختباراً حقيقياً لجدية الإصلاح.


وفي معرض تعليقه على الكونغرس المئوي للاتحاد الدولي للصحفيين، قال الطواشي: “إن انعقاد هذا الكونغرس في باريس، حيث وُلد الاتحاد قبل قرن من الزمان، هو مناسبة لا تحتفل فيها نقابات الصحفيين حول العالم بماضيها فحسب، بل تُجدّد فيها عهدها بمستقبل أفضل للصحافة الحرة. ونحن في رابطة الصحفيين السوريين نتطلع إلى أن تكون سوريا الجديدة حاضرة في هذا المشهد الدولي شريكةً فاعلةً لا مجرد ملف على طاولة المناصرة، وأن يتحول ما حققناه من تقدم محلي إلى نموذج يُحتذى في المنطقة.”


سبع توصيات للمرحلة القادمة
وختم مركز الحريات الصحفية بالرابطة التقرير بسبع توصيات موجّهة للجهات المعنية، أبرزها:
إصلاح الإطار التشريعي للإعلام بإصدار قوانين حديثة منسجمة مع المعايير الدولية.
تبسيط إجراءات الترخيص وضمان تكافؤ الفرص بين المؤسسات الإعلامية.
تعزيز استقلالية النقابات الصحفية بأطر قانونية تمنع تسييسها أو إخضاعها لأي جهة تنفيذية.
ضمان حرية التغطية ومنع التمييز بين المؤسسات لأسباب غير مهنية.
تطوير برامج تدريب تستهدف الصحافة المهنية ومكافحة التضليل وخطاب الكراهية.
تعزيز الشفافية في التواصل الحكومي مع وسائل الإعلام.