أصدر المركز السوري للحريات الصحفية في رابطة الصحفيين السوريين تقريره الموثّق للربع الأول من عام 2026، تحت عنوان “حماية ناقصة”، رصد فيه 11 انتهاكاً ارتُكبت بحق الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية في سوريا خلال الفترة الممتدة من الأول من يناير حتى الحادي والثلاثين من مارس 2026. وجاء العنوان معبّراً بدقة عن خلاصة المشهد الإعلامي في البلاد؛ إذ لا يزال الصحفيون والصحفيات في سوريا يعملون في بيئة تفتقر إلى أدنى ضمانات الحماية، رغم ما شهدته البلاد من تحولات سياسية وميدانية عميقة.
وتوزعت الانتهاكات الموثقة بين إصابة خمسة إعلاميين، واعتقال اثنين، واحتجاز اثنين آخرين، فضلاً عن اختفاء صحفية ألمانية لا يزال مصيرها مجهولاً حتى لحظة نشر التقرير، إلى جانب انتهاك واحد طال مؤسسة إعلامية. وتركّزت غالبية هذه الانتهاكات في شهر كانون الثاني/يناير الذي شهد توثيق سبعة منها، فيما سُجّل في شباط/فبراير ثلاثة انتهاكات، وانتهاك واحد يعود إلى كانون الأول/ديسمبر 2025 جرى التحقق منه ومطابقته مع منهجية التوثيق المعتمدة في المركز.
قوات سوريا الديمقراطية تتصدر قائمة المنتهكين
وكشف التقرير أن قوات سوريا الديمقراطية تصدّرت قائمة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات بواقع خمسة منها، فيما لا تزال ألغام نظام الأسد البائد المزروعة في باطن الأرض السورية تواصل حصادها، إذ نُسب إليه انتهاكان. وكانت قوات الحكومة السورية مسؤولة عن انتهاكين، فيما ارتكبت فصائل مسلحة في السويداء انتهاكاً واحداً، وظلت الجهة المسؤولة عن الانتهاك الأخير مجهولة الهوية.
وجغرافياً، احتلّت محافظة الرقة المرتبة الأولى في عدد الانتهاكات بأربعة حوادث موثقة، تلتها حلب بثلاثة، فاللاذقية باثنين، ثم حماة والسويداء بانتهاك واحد لكلٍّ منهما.
في هذا الإطار، قالت مزن مرشد رئيسة رابطة الصحفيين السوريين إن عنوان ‘حماية ناقصة’ يصف بدقة واقعاً موثقاً بالأرقام والأسماء والتواريخ لعمليات الرصد خلال الربع الأول من 2026 ويؤكد أن التحولات السياسية التي شهدتها سوريا لم تُفضِ بعد إلى بيئة آمنة للعمل الصحفي؛ فالصحفيون والصحفيات ما زالوا يُصابون بالهاون والألغام، ويُعتقلون بسبب تصوير مشاهد من الشارع، ويُحتجزون لأسابيع دون سند قانوني، فيما تختفي صحفية أوروبية في مدينة سورية ولا يُعرف مصيرها بعد أشهر. ويشير رئيس المركز إلى أن هذا الواقع لا يمكن القبول به، في ظل السعي لبناء دولة تحترم القانون والحريات. وتطالب الرابطة بمحاسبة المنتهكين بلا استثناء، والكشف الفوري عن مصير الصحفية إيفا ماريا ميشلمان، وإطلاق سراح كل إعلامي محتجز بسبب عمله.”
“وفي السياق ذاته، اعتبر عماد الطواشي، نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين، أن تقرير ‘حماية ناقصة’ يمثل قراءة إحصائية لواقع العمل الميداني في سوريا، مشيراً إلى أن تداخل نطاقات السيطرة يفرض بطبعه تحديات تقنية وأمنية تستوجب تعزيز التنسيق لضمان سلامة الكوادر الإعلامية. وأضاف الطواشي أن الحالات التي رصدها التقرير، ومنها ما اتصل بالزميل فراس البرجس أو فريق قناة ‘الإخبارية’، تبرز الحاجة الملحّة لتطوير بروتوكولات حماية ميدانية أكثر فاعلية، تضمن احترام طبيعة العمل الصحفي وشاراته التعريفية في مختلف الظروف، وبما ينسجم مع الروح العامة للقوانين التي تكفل حرية الوصول إلى المعلومة.
وحول ملف اختفاء الصحفية الألمانية ‘إيفا ماريا ميشلمان’ في الرقة، أوضح نائب رئيس الرابطة أن هذا الملف يتطلب تضافر جهود كافة الأطراف المعنية والمؤثرة على الأرض للكشف عن ملابسات الحادثة، مؤكداً أن الرابطة تنظر إلى هذا التعاون كخطوة ضرورية لتعزيز الثقة في البيئة المهنية السورية، وبما يخدم المصلحة العامة في حماية الحريات الصحفية وترسيخ دعائم العمل المؤسساتي.”
توصيات عاجلة
وختم مركز الحريات في الرابطة تقريره بجملة توصيات عاجلة وجّهها إلى جميع الأطراف المعنية، أبرزها الإفراج الفوري عن جميع الإعلاميين المحتجزين تعسفياً، والكشف العاجل عن مصير الصحفية الألمانية إيفا ماريا ميشلمان، ووقف كل أشكال الاستهداف المباشر وغير المباشر للإعلاميين والمؤسسات الإعلامية، وتسريع عمليات إزالة مخلفات الحرب والألغام، وإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الحوادث الموثقة ومحاسبة المسؤولين، وتعزيز التنسيق بين المنظمات الحقوقية المحلية والدولية لدعم آليات التوثيق ومنع الإفلات من العقاب.
وخلص التقرير إلى أن حماية الإعلاميين في سوريا لم تعد مسألة مهنية فحسب، بل هي التزام قانوني وأخلاقي ينعكس بشكل مباشر على مستقبل الحريات العامة وحق المجتمع في المعرفة، ويُشكّل ركناً أساسياً في أي مسار نحو دولة القانون والمؤسسات.


