نظمت رابطة الصحفيين السوريين في مدينة إدلب منتدى حوارياً بعنوان “دور الإعلام في تغطية قضايا العدالة الانتقالية”، بمشاركة 16 صحفياً وصحفية وناشطين في المجتمع المدني وقانونيين وحقوقيين. ويأتي المنتدى ضمن سياق عمل الرابطة لتعزيز الوعي المهني بدور الإعلام كفاعل في المرحلة الانتقالية، وبناء مقاربات مشتركة تساهم في دعم إعلام مسؤول يعزز مسارات المساءلة والسلام
افتتح ميسّر المنتدى الصحفي والمدرب المعتمد مصطفى الخلف، الجلسات بعرض لركائز العدالة الانتقالية الأربع: المساءلة، كشف الحقيقة، جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي. وأكد الخلف أن التحدي السوري يفرض الانتقال من الطرح النظري إلى التطوير المهني لكيفية التعامل مع إرث الانتهاكات، خاصة في ظل التحول نحو بيئة إعلامية أكثر تعددية.
وشهد المنتدى ثلاث جلسات رئيسية تناولت المفهوم العام للعدالة الانتقالية وآلياتها، ودور الإعلام في توثيق الانتهاكات وكشف الحقيقة، إضافة إلى تغطية المحاسبة القضائية والمصالحة المجتمعية، حيث جرى التأكيد على أهمية التمييز بين التوثيق الصحفي والقانوني، وضرورة التحقق من المعلومات، وحماية الضحايا والشهود، وتجنب التأثير على مسارات العدالة، إلى جانب الالتزام بأخلاقيات النشر والابتعاد عن الإثارة أو إعادة إنتاج الصدمات.

كما ناقش المشاركون تحديات التغطية الإعلامية للمحاكمات، وخطورة الإدانة المسبقة، وأهمية تبسيط المعلومات القانونية للجمهور، إضافة إلى دور الإعلام في إنصاف الضحايا وتعزيز خطاب التماسك المجتمعي والحد من الكراهية.
وفي تصريح مواكب لأعمال المنتدى أكدت رئيسة الرابطة مزن مرشد أن تمكين الصحفيين من أدوات فهم العدالة الانتقالية يتجاوز كونه خياراً مهنياً ليصبح ضرورة وطنية ترتبط بقدرة المجتمع على استعادة الثقة وتحقيق الاستقرار، مشيرة إلى أن العدالة الانتقالية عملية مجتمعية شاملة تتطلب إعلاماً قادراً على الموازنة بين نقل الوقائع الحساسة وصياغة وعي عام داعم للعدالة.
من جانبه، شدد نائب رئيس الرابطة عماد الطواشي على أن الإعلام في هذه المرحلة لا يمكن أن يتبنى “الحياد السلبي”، بل يجب أن يكون شريكاً مهنياً في كشف الحقيقة ودعم المساءلة، مع الالتزام الصارم بالمعايير القانونية الدولية التي تضمن عدم الإضرار بسير العدالة. وفي سياق مأسسة العمل الإعلامي، أوضح المدير التنفيذي للرابطة يدن دراجي أن بناء بيئة إعلامية مواكبة للاستحقاقات الوطنية يتطلب استثماراً في المهارات وضمان الوصول الآمن والشفاف للمعلومات، كجزء من مسار أوسع تعمل عليه الرابطة لتعزيز استقلالية الصحافة وتأثيرها الرقابي.
على مستوى المشاركين بالمنتدى اعتبر الصحفي عبد الحميد بدوي أن التحديات المهنية والأخلاقية تفرض تنشيط الصحافة الاستقصائية كأداة للمساءلة، وهو ما تقاطع مع طرح الناشط هيثم محمد علي حول دور المعلومة الدقيقة في الحد من الشائعات وتعزيز ثقة الجمهور بالإعلام.
ومن منظور حقوقي، لفتت الناشطة آية بركات إلى ضرورة سد الفجوات في التغطيات الإعلامية للملفات الحساسة، وفي مقدمتها حقوق الملكية العقارية وقصص الضحايا، لتكون الصحافة أداة فاعلة في تحقيق العدالة.

واختتم المنتدى بإقرار مخرجات عملية ركزت على ضرورة ضمان استقلالية الإعلام عن الضغوط السياسية والأمنية، وتفعيل الدور الرقابي للصحافة الاستقصائية، والالتزام بمعايير أخلاقية تحترم كرامة الضحايا. كما شددت التوصيات على أهمية تبسيط المفاهيم القانونية للجمهور لتعزيز الوعي بمبادئ المصالحة، مع التأكيد على استمرارية الحوار والتنسيق بين الفاعلين الإعلاميين والحقوقيين لضمان إعلام مهني قادر على مواكبة استحقاقات العدالة الانتقالية في سوريا.


