دعت رابطة الصحفيين السوريين بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية إلى المباشرة في بناء نظام إعلامي حديث ومستقل، يواكب تطلعات السوريين في عهد الدولة الجديد. واعتبرت الرابطة في بيان لها أن مأسسة القطاع الإعلامي على أسس ديمقراطية ومهنية وتعددية هو الركيزة الأساسية لدعم استقرار الدولة وتعزيز الشفافية.

وحددت الرابطة في رؤيتها ست أولويات استراتيجية للانتقال بالعمل الصحفي من “مرحلة التحرر” إلى “مرحلة المؤسسات والقانون”، وذلك عدة مسارات حيث دعت إلى إطلاق ورشة إصلاح تشريعي شاملة لتقديم مسودات قوانين عصرية تضمن استقلال العمل الصحفي. واقترحت تأسيس “مجلس وطني مستقل للصحافة”، يجمع في عضويته الرابطة واتحاد الصحفيين وجمعية الناشرين، ليكون الجهة المسؤولة عن التنظيم الذاتي وضمان التعددية الإعلامية بما يخدم الصالح العام.

وفي سياق تعزيز الاحترافية، رأت الرابطة أن تكريس الأخلاقيات المهنية يتحقق عبر آليات نقابية مستقلة، مقترحة إنشاء “لجنة شكاوى مهنية”. وتهدف هذه اللجنة إلى معالجة النزاعات المرتبطة بالمحتوى الإعلامي ومكافحة خطاب الكراهية، بما يسهم في تعزيز ثقة المجتمع بالمؤسسات الإعلامية بعيداً عن التدخلات الإدارية التقليدية.

وشملت الرؤية ضرورة إقرار نظام مهني لمنح تراخيص ممارسة المهنة للصحفيين والصحفيات بناءً على الكفاءة والخبرة. كما أكدت على أهمية وجود آليات شفافة لترخيص الوسائل الإعلامية بمختلف أنواعها، بما في ذلك “الإعلام غير الربحي”، لضمان بيئة تنافسية تمنع الاحتكار المالي والسياسي وتتيح الفرصة للمبادرات المستقلة.

وأكدت الرابطة أن حق الصحفيين والصحفيات في تأسيس نقاباتهم واتحاداتهم بحرية واستقلال يمثل ضمانة للديمقراطية المهنية. وشددت على ضرورة توفير منظومة قانونية لحماية الكوادر الإعلامية وتأمين سلامتهم، مع الالتزام بتمكين الصحفيات السوريات وفتح المجال أمامهن للمشاركة في صناعة القرار وإدارة المؤسسات الإعلامية.

واختتمت الرابطة البيان بتجديد التزامها المهني بالدفاع عن حرية الصحافة وكرامة الصحفيين والصحفيات، مؤكدة وفاءها لمن فقدوا حياتهم في سبيل نقل الحقيقة، وحرصها على المساهمة في بناء إعلام سوري مسؤول يواكب بناء سوريا الجديدة.

البيان:

في الذكرى الخامسة عشرة للثورة السورية، نستعيد تلك اللحظة التي خرج فيها الشعب السوري مطالباً بالحرية والكرامة، فكانت ثورةً كسرت جدار الخوف وفتحت الطريق نحو استعادة الدولة من الاستبداد. لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً في سبيل هذه اللحظة التاريخية، وكان الصحفيون والصحفيات والإعلاميون والإعلاميات السوريون في قلب هذه المعركة، يوثقون الحقيقة وينقلونها إلى العالم، في واحدة من أخطر البيئات على العمل الصحفي في العصر الحديث.واليوم، ومع دخول سوريا مرحلة جديدة، فإن التحدي لم يعد يقتصر على ترسيخ حرية التعبير، بل يتمثل في بناء نظام إعلامي حديث وعادل ومستقل بديلاً عن إرث الاحتكار والدعاية الذي ساد لعقود.

إن رابطة الصحفيين السوريين ترى أن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مرحلة التحرر من القيود إلى مرحلة بناء وترخيص المؤسسات الإعلامية وتنظيم القطاع الإعلامي على أسس ديمقراطية ومهنية واضحة، وذلك عبر مسار إصلاحي يقوم على مجموعة من الأولويات تنطلق من أن الصحافة هي السلطة الرابعة:

أولاً: بناء إطار قانوني جديد للإعلام: إطلاق عملية إصلاح شاملة لتقديم مسودات للتشريعات الإعلامية بما يضمن حرية الصحافة واستقلالها، وتؤسس لمجلس وطني مستقل للصحافة يضم ممثلين عن رابطة الصحفيين السوريين واتحاد الصحفيين وجمعية الناشرين  (تضم المؤسسات الإعلامية) يتولى مهام التنظيم الذاتي وحماية التعددية الإعلامية وضمان شفافية العمل الإعلامي.

ثانياً: إنشاء آلية مستقلة لتعزيز المعايير المهنية في الإعلام: ترى الرابطة أن ترسيخ المهنية لا يتحقق عبر النصوص ومدونات السلوك وحدها، بل من خلال آليات تطبيق مستقلة، ولذلك تدعو إلى إنشاء لجنة شكاوى مهنية مستقلة تضم ممثلين عن النقابات الصحفية وجمعية الناشرين تكون مهمتها متابعة الالتزام بالمعايير المهنية ومعالجة الشكاوى والنزاعات المرتبطة بالمحتوى الإعلامي ومكافحة خطاب الكراهية، بما يعزز المساءلة المهنية ويحافظ على استقلال الإعلام وثقة المجتمع به.

ثالثاً: تنظيم تراخيص العمل الصحفي: إقرار نظام مهني واضح يمنح الصحفيين والصحفيات تراخيص ممارسة المهنة وفق معايير الكفاءة المهنية والخبرة الصحفية، بما يضمن حماية الصحفيين قانونياً ويعزز الاحترافية داخل القطاع الإعلامي.

رابعاً: نظام عادل وشفاف لترخيص القنوات والمؤسسات الإعلامية: وضع آليات واضحة وشفافة لمنح تراخيص القنوات التلفزيونية والإذاعية والمنصات الإعلامية، بما يضمن التعددية الإعلامية ويمنع الاحتكار السياسي أو المالي لوسائل الإعلام، ويتيح الفرصة أمام المبادرات الإعلامية المستقلة للعمل ضمن بيئة قانونية واضحة ومستقرة وخصوصا مع ظهور أنواع جديدة من وسائل الإعلام غير الربحية التي نشأت في عهد الثورة.

خامساً: تعزيز التعددية واستقلال النقابات والهيئات الإعلامية: إن بناء قطاع إعلامي حر يتطلب الاعتراف الكامل بحق الصحفيين والصحفيات في تأسيس نقاباتهم واتحاداتهم المهنية بحرية واستقلال. وتؤكد رابطة الصحفيين السوريين أن التعددية النقابية تمثل ضمانة أساسية للديمقراطية المهنية، إذ تسمح بتمثيل أوسع وتعزز التنافس الإيجابي في خدمة المهنة والدفاع عن حقوق العاملين فيها.

سادساً: حماية الصحفيين وضمان أمنهم وسلامتهم المهنية وتمكين الصحفيات: إقرار منظومة قانونية ومؤسساتية تحمي الصحفيين والصحفيات من الاعتداءات والتهديدات أثناء أداء عملهم، وتضع حداً لثقافة الإفلات من العقاب تجاه الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين، كما تؤمن الرابطة بفتح المجال أمام الصحفيات للمشاركة الفاعلة في صناعة الإعلام وإدارة مؤسساته.

في هذه الذكرى، نجدد العهد مع الصحفيين والصحفيات الذين فقدوا حياتهم وهم يدافعون عن الحقيقة، ومع آلاف الصحفيين  والصحفيات الذين واصلوا عملهم رغم المخاطر، بأن تظل الرابطة صوتاً مهنياً مستقلاً يدافع عن حرية الصحافة وكرامة الصحفيين، ويساهم في بناء إعلام سوري حرّ ومسؤول يواكب تطلعات السوريين في دولتهم الجديدة.