نظّمت رابطة الصحفيين السوريين منتدىً حواريًا في دمشق بعنوان “الصحافة الأخلاقية ودورها في مكافحة خطاب الكراهية”، بحضور نخبة من الصحفيين والباحثين والأكاديميين وأعضاء المكتب التنفيذي للرابطة، بهدف مناقشة نتائج البحث الذي أعدّته الرابطة حول واقع الصحافة الأخلاقية والقوانين الناظمة للعمل الإعلامي في سوريا، ودور الإعلام في الحدّ من خطاب الكراهية وتعزيز قيم التماسك الاجتماعي.

غياب الإطار القانوني الواضح يفاقم الخلط بين حرية التعبير وخطاب الكراهية
استعرض عضو المكتب التنفيذي محيي الدين عبد الرزاق أبرز نتائج الدراسة، مشيرًا إلى أن “المشهد الإعلامي السوري يشهد خلطًا واضحًا بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، بسبب غياب الأطر القانونية الواضحة، وغياب المؤسسات المستقلة القادرة على ضبط الأداء الإعلامي دون المساس بحرية الصحافة”.
وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت “تراجعًا في المعايير المهنية مع ازدياد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، ما زاد من انتشار التضليل والمعلومات المضلّلة”.
وبيّن عبد الرزاق أن القوانين السورية الحالية، مثل قانون العقوبات العام وقانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، تُستخدم غالبًا لتقييد حرية الصحافة بدل تنظيمها، إذ تجرّم مواد مثل “إضعاف الشعور القومي” و“إثارة النعرات”، وهي نصوص فضفاضة تُستعمل لتقييد النقد المشروع.
ودعا إلى صياغة قانون إعلام موحّد جديد يستند إلى المعايير الدولية ويضمن استقلالية الهيئات الناظمة ويجرّم خطاب الكراهية بشكل صريح.
وأشار إلى أن نتائج الاستطلاع الذي شمل 140 صحفية وصحفيًا من مختلف المناطق السورية أظهرت أن 70.7% من المشاركين يعتبرون التضليل الإعلامي أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السوري، بينما أكّد 62.9% على ضرورة توفير الحماية والتدريب للصحفيين وتحسين بيئة العمل.
بدورها، أوضحت لمى الراجح، عضوة المكتب التنفيذي في الرابطة، أن الصحافة الأخلاقية “ليست مجرّد التزام مهني، بل خيار إنساني لبناء الثقة بين الإعلام والجمهور، واستعادة الدور الاجتماعي للصحفي بوصفه وسيطًا للمعرفة لا أداة للاستقطاب”.
وأضافت أن الصحافة الأخلاقية تقوم على احترام كرامة الإنسان، وحماية الخصوصية، والابتعاد عن التنميط والتحريض، معتبرة أن مواجهة خطاب الكراهية تبدأ من غرف التحرير عبر مراجعة السياسات التحريرية ورفع معايير التحقق والمساءلة.
وأكدت الراجح على أهمية إدماج مبادئ الصحافة الأخلاقية ضمن المناهج الأكاديمية في كليات الإعلام السورية، وتطوير برامج تدريبية متخصصة بمكافحة خطاب الكراهية والتضليل، مشيرة إلى أن “المعرفة المهنية السليمة هي السلاح الأول في وجه الكراهية”.

القوانين تجرّم النقد أكثر مما تواجه التحريض
من جانبه، قال محمد الصطوف، مدير قسم الرصد في مركز الحريات الصحفية بالرابطة، إن “خطاب الكراهية في سوريا لا يُعرّف قانونيًا حتى الآن، في حين تُستخدم مواد عامة من قوانين العقوبات والجرائم المعلوماتية ضد الصحفيين والمواطنين على السواء”.
وأضاف أن هذه القوانين “تحمي أمن الدولة أكثر مما تحمي الأفراد من التمييز أو التحريض”، ما يجعلها أداة للرقابة والعقاب بدل أن تكون إطارًا للحماية.
ودعا الصطوف إلى وضع تعريف قانوني واضح لخطاب الكراهية، يميّزه عن حرية الرأي والتعبير، مع إشراك نقابات الصحفيين والهيئات المهنية في صياغة التشريعات الإعلامية المقبلة.

نقاشات موسعة حول التوصيات العامة
شهدت الجلسة الحوارية الختامية نقاشًا مفتوحًا حول التوصيات العامة للدراسة، التي تهدف إلى تأسيس بيئة إعلامية مهنية ومستقلة في سوريا، في ظل التحوّلات السياسية والمجتمعية المتسارعة.
الإصلاح القانوني شرط للثقة والمساءلة
ورأى الصحفي مصعب السعود أن “أكبر خطوة يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا هي الإصلاح القانوني الجاد للإعلام”. وأوضح أن القوانين الحالية تُنتج رقابة ذاتية وخوفًا مهنيًا لدى الصحفيين، معتبرًا أن “صياغة قانون جديد ينسجم مع المعايير الدولية ويضمن استقلالية المؤسسات الإعلامية هو المدخل الحقيقي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع والإعلام”.
وأضاف أن “حرية الصحافة لا يمكن أن تزدهر في بيئة قانونية عقابية، وأن المساءلة المهنية يجب أن تكون بيد مؤسسات مستقلة لا بيد الأجهزة التنفيذية”.
التعليم والتدريب هو الاستثمار الأهم في المهنة
من جانبه، شدّد الصحفي مصطفى الخلف على أن “الحديث عن الصحافة الأخلاقية لا يكتمل دون بناء جيل من الصحفيين المؤهلين معرفيًا ومهاريًا”.
وأشار إلى ضرورة “إدماج مساقات الصحافة الأخلاقية ومكافحة خطاب الكراهية ضمن المناهج الجامعية، وتوسيع برامج التدريب العملي للصحفيين الشباب”، مؤكدًا أن المعرفة المهنية هي خط الدفاع الأول أمام التضليل والانحياز.
وقال الخلف إن “العمل الأخلاقي في الصحافة ليس شعارًا، بل ممارسة يومية تبدأ من احترام دقة المعلومة، وتنتهي بتحمّل المسؤولية أمام الجمهور”.
دعم الإعلام المستقل ركيزة للمصلحة العامة
أما الصحفي مأمون البستاني، فقد ركّز على البعد الاقتصادي والمؤسساتي في بناء إعلام مهني، معتبرًا أن “الصحافة المستقلة لا يمكن أن تبقى حيّة دون نماذج تمويل مستدامة ومسؤولة اجتماعيًا”.
وأضاف أن دعم الإعلام المستقل “هو استثمار في المصلحة العامة لا في الترف الفكري”، داعيًا إلى إطلاق صناديق دعم مهنية وتوسيع الشراكات مع منظمات المجتمع المدني لتعزيز ثقة الجمهور بالإعلام.
وأوضح أن “الإعلام المستقل هو الضامن الوحيد لبقاء المسافة بين الحقيقة والدعاية، وبين النقد البنّاء والتحريض”.
التوصيات الختامية
في ختام المنتدى، أجمع المشاركون على أهمية المضي في تنفيذ حزمة التوصيات التي خلصت إليها الدراسة، أبرزها:
- إصلاح الإطار القانوني والتنظيمي وصياغة قانون إعلام موحّد جديد ينسجم مع المعايير الدولية ويضمن استقلالية الهيئات الناظمة.
- تعزيز التعليم والتدريب الأكاديمي والمهني في مجالات الصحافة الأخلاقية ومكافحة خطاب الكراهية.
- حماية الصحفيين من العنف والاعتقال وتوفير أدوات السلامة المهنية.
- إنشاء هيئات مستقلة لتنظيم ومراقبة الإعلام بعيداً عن أي تدخل سياسي.
- ضمان الحق في الوصول إلى المعلومات بسرعة وشفافية.
- دعم الإعلام المستقل بالتمويل المستدام والمسؤولية الاجتماعية.
- الاستفادة من التجارب الدولية في موازنة حرية الإعلام مع حماية النظام العام.
كما خلصت جلسات المنتدى إلى أن الصحافة الأخلاقية تمثل حجر الزاوية في بناء سوريا الجديدة، وأن مواجهة خطاب الكراهية ليست مهمة قانونية فحسب، بل ثقافة مهنية واجتماعية مشتركة.
الصحافة-الأخلاقية-جاهز-للطباعة







